قصور ميدلت: إِخْرَمْجِيوْنْ القصر اللُّغز

قصور ميدلت: إِخْرَمْجِيوْنْ القصر اللُّغز

 

    
  

      ميدلت غنية بتاريخها، تاريخ خطته ساكنتها المتنوعة عرقيا ودينيا مند القدم، هذا التاريخ انضافت إليه اللمسة الاستعمارية لتزيده تنوعا وغنا. قصور المدينة تحتوي على تراث مادي وشفوي ضخم، يمكن أن يكون لبنة لخلق سياحة ثقافية وعلمية متميزة، ويشكل مادة خصبة للمشتغلين بالتاريخ وبعلوم الآثار والعلوم الإنسانية والاجتماعية. ف "إِغْرَمْ" بالمنطقة عبارة عن مجموعة من مباني طينية مجتمعة داخل أسوار دفاعية، ومعززة بأبراج ركنية مزينة بزخارف من الطوب. إنها خير دليل على عبقرية سكانها الذين كيّفوها مع الظروف المناخية، حتى تقف في وجه البرودة والحرارة والأعداء.  
مع مرور الزمن هناك قصور شيدت وعمّرت، وأخرى خربت وصارت أطلالا، أو طُمست معالمها إلى الأبد حاملة معها أسرارها. هذا ما حدا بي النبش في ذاكرة قصور المدينة وكلي أمل أن أتمكن من إماطة اللثام عن بعض من التاريخ المنسي، والمساهمة في تدوين الذاكرة الجماعية للمدينة، لأنّي أعتقد أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الذاكرة الإنسانية وبين ذاكرة الأمكنة، كما أنّ الحنين للمكان، حنين للروح، حنين لجماعات طالما عمرت فيه، حنين لأناس عابرين، على اختلافهم، تركوا آثارا في أزقته وأثثوا زواياه. الأماكن كالأفراد لها سحرها، تزرع فينا الارتباط بها والحنين إليها حين نفتقدها، والإحساس بحميميتها كلما زرناها.
أول هذه القصور هو "إخرمجيون"، وقد تعمدت البدء به لأنه من القصور التي اندثرت ولم يعد لها أثر. قد يقول البعض أن القصر لازال في مكانه وأن تسميته متداولة بالمدينة، لكن ما لا يعرفه هؤلاء والأجيال الحالية، هو أن الموقع الحالي للحي ليس هو الموقع الأصلي، بل تم ترحيل سكانه في عشرينيات القرن الماضي، حتى يتمكن المستعمر الفرنسي من بناء مدينة حديثة. فأين موقعه يا ترى؟
عند مروره بالمنطقة في نهاية القرن 19 بين 1883و1884 حدد "دو فوكو" موقع إغرم ن "إِخْرمجِيوْن" في الضفة اليمنى نزولا لواد أطاط، وكانت تسكنه حوالي 60 أسرة[1]، ومن المعلوم حسب الرواية الشفوية أن سكانه من أيت فرڭان أحد بطون أيت إزدڭـ، كما أنّ هذا الاسم متداول في معاقل أيت إزدڭـ بالجنوب الشرقي للأطلس الكبير في تعلالين (الريش) وبواحة زيز(الراشيدية) وبواحة تدغى (تنغير) مع بعض الاختلاف البسيط في النطق في هذه الأخيرة حيث تنطق "إِخْمَرْجِيوْن". فالاسم استطاع أن يجتاز نوائب الزمن وانتقل مع قبائل أيت إزدڭـ خلال انتقالها من السفوح الشرقية للأطلس الكبير نحو السفوح الشمالية.  الرواية الشفوية أيضا تخبرنا أن الموقع الأصلي هو سوق الثمر المعروف ب "سويقت الثمر"، وكانت تتخلله بروج ويشبه إلى حد ما قصر "بُوزْمَلاّ"، شكلا وحجما[2]، وما يؤكد هذه الرواية تواجد الموقع قرب مجرى الواد في مكان مرتفع كما هو الحال بالنسبة لباقي القصور الأخرى، التي تبنى في مكان لا تصله مياه السيول والفيضانات، وغالبا ما تكون الأرضية فيه صلبة وغير صالحة للحرث، حتى لا تُستعمل الأراضي الصالحة للزراعة كموقع للبناء. فالحقول لازال بعض منها صامد والباقي أسلم الروح لزحف العمران، وآخر السواقي شاهدة على نشاط زراعي معاشي تميز به السكان المستقرين على طول واد أطاط، فهي لم تبرح مكانها وما زالت تخترق المدينة على مقربة من المحطة الطرقية القديمة وفي حي "إِخْمَرْجِيوْن" حاليا وفي أماكن أخرى. أما مقبرة القصر فكانت متواجدة في الموقع الحالي لمسجد سيدي محمد بالعربي (مسجد السعودي)، فبعض الدين شاركوا في البناء يتذكرون عملية نقل رفات الموتى إلى مقبرة أيت الربع قبل البدء في تشييد المسجد.
 ذكر أحد الشيوخ الذين التقيتهم، أن سكان قصر "إِخْمَرْجِيوْن"، كانوا في خلاف دائم حول الأرض والماء مع قصر عثمان أموسى المتواجد في الضفة المقابلة من الواد، هذا الخلاف كان يصل حد المواجهة بالسلاح في مرات عدة، لم ينتهي إلا بعد وصول المستعمر الفرنسي، الذي قام بحملة بين سكان المنطقة لنزع مختلف الأسلحة المنتشرة أنداك (بوحبة وبوشفر والرباعية...). فطبقا لأعراف قبائل أيت إزدڭـ يتم تحديد حصة (تَامْزْدَاغْتْ) كل بطن من الأراضي ومياه الري بطريقة عادلة بين كل من شارك في الحرب لتوسيع المجال الجغرافي للقبيلة وذلك حسب دور كل بطن وحجم سكانه، فالقصران كانا مرتبطان في القسمة، حيث كان سكان "إِخْمَرْجِيوْن"، بطن أيت فرڭان، يحصلون على الثلث وسكان "عثمان أموسى"، بطن أيت موسى أعلي، على الثلثين، وهذا الارتباط كان يسبب توترات دائمة كما هو الحال بالنسبة للقصور الأخرى بأطاط أيت إزدڭـ.
من المؤكد إدن أنّ الموقع الأصلي هو سوق الثمر الحالي وبعض الصور[3] المتوفرة على الأنترنيت تشهد على ذلك، حيث تظهر بروج في العديد منها خصوصا تلك الملتقطة في مركز المدينة بالقرب من الدائرة ومقهى إكسيلسيور وهذه الصورة للسويقة من الداخل أو بالأحرى لقصر "إِخْمَرْجِيوْن". 


 لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف كان شكل القصر وهل من أثر عنه؟
 شخصيا كان هذا السؤال يشغل بالي لمدة طويلة، وظل شكل إغرم غير مكتمل في مخيلتي. هذا ما دفعني إلى البحث إلى أن اكتشفت صورة في أحد المواقع (الصورة الأولى) والتي تعود له حتما، فزال اللبس واكتمل شكل القصر لذي. هذه الصورة التاريخية من المرجح أن المصور كان واقفا في الموقع الحالي لمسجد سيدي محمد بالعربي حين أخدها، ومن المعلومات التي يمكن استنباطها منها: تاريخ التقاطها الذي يوافق الفاتح من شتنبر لسنة 1922، وعنونها باللغة الفرنسية "ميدلت في طور البناء"، والمقصود بناء بنايات مركز المدينة في محيط السويقة (إكسلسيور...). وما لا يدع مجالا للشك التّلة المعروفة ب "تِيزِي نْ وُودَايْ" التي تحتضن مقبرة اليهود والظاهرة في الخلفية، إذ يمكن مشاهدتها في الصورة الحديثة (في آخر المقال) التي التقطتها حاليا والتي لم أتمكن من أخدها من نفس المكان بسبب تواجد البنايات. إن مثل هذه التلال لا توجد خلف أي قصر من قصور ميدلت، وللتأكد من صحة هذا التحليل تكفي المقارنة بين التلال في الصورة الأولى والصورة الحديثة.
بهذا نكون، ربما، قد أوصلنا إليكم بعضا من دفء هذا المكان، وأزلنا الغبار عن صفحة من صفحات تاريخ ميدلت، بإعادة بناء إغرم نْ "إِخْمَرْجِيوْن" الذي لم يعد من دليل عنه سوى هذه الصورة، الصورة التي كانت بداية نهايته حتما، وربما هي آخر اللحظات لسكانه بين دروبه قبل ترحيلهم، الترحيل الذي لم يسلم منه حتى موتاهم.

بقلممحمد أعزيرو 




{ يمنع إعادة نشر أو استخدام محتوى المقال (النص) الا بعد مراسلتي ويرجى  ذكر المصدر و شكرا.}
الهوامش





Foucauld, Charles de. Reconnaissance au Maroc, 1883-1884, Ed 1888, p376.1
[2]حسب "دو فوكو" عدد سكان بوزملا 60 أسرة.

[3]  الصور الموجودة في المقال، باستثناء الصورة الحديثة، مأخوذة من الأنترنيت وهي منتشرة في العديد من المواقع والصفحات بكثرة لدرجة استحال  معها معرفة وذكر مصدرها فمعذرة. 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدرس الثاني من سلسلة دروس خط و إملائيات اللغة الأمازيغية

كتاب نحوُ الأمازيغية للتحميل

مسرحية أوسان صميدنين